ورقة بحثية بعنوان : المسؤولية الوطنية



2020-09-14

قد يتساءل البعض عن معنى المسؤولية الوطنية، في ظل ما يشهده عالمنا الحالي من تضارب في الأفكار والإيديولوجيات، التي تفرضها العولمة، على الشعوب كافة.

وللوقوف على المعنى الفعلي للمسؤولية الوطنية، لابد أن نتطرق أولا للمعنى اللغوي لهذه العبارة، فكما هو معروف تشتق كلمة المسؤولية من الفعل سأل واسم الفاعل منه مسؤول ، ويدور معنى الفعل سأل حول عدة أمور منها ، سأله وحاسبه و طلب منه الوفاء به، كما لابد لنا من التطرق أيضاً إلى المفاهيم الأخلاقية للمسؤولية، وكذلك المفاهيم الدينية، لما لها من أهمية بالغة في تهذيب العقل، وتقويم السلوك الإنساني، وحفل القرآن الكريم بالكثير من الآيات التي تظهر الإهتمام الكبير برعاية الأوطان، وبنائها على أسس قوية تسهم في حماية المجتمع وأمنه ،ولا سيما عند وقوع الأزمات أو في مواجهة الأفكار المضللة.

والمسؤولية الوطنية هي كل ما يقوم به الفرد من أعمال تجاه وطنه، حيث أن المسؤولية الوطنية هنا تعني الإنتماء إلى الوطن ، وحبه ، والإخلاص له، وحمايته وتأمين سلامة أراضيه.

وتتلخص المسؤولية الوطنية في عدة مسائل هي:

  • محبة الوطن والانتماء إليه، فمحبة الوطن والشعور بالإنتماء إليه أمر في غاية الأهمية لقيام الفرد بدور إيجابي في المجتمع يعود على الوطن والمجتمع بالفائدة.
  • المشاركة الفعلية في بناء الوطن وتطويره للأفضل: فلا شك أن هذه المساهمة ستكون عاملاً أساسياً في الحفاظ على الوطن، والشعور بالإنتماء الوطني، وتغليب المصالح الوطنية على غيرها.
  • المحافظة على المال العام والمكاسب المادية والثقافية للوطن، ذلك أن هذه المحافظة تعني إبقاء الوطن سليماً معافى، ما ينعكس إيجاباً على جميع أبنائه.
  • الدفاع عن الوطن، ومواجهة أعدائه: بالتأكيد إن استعداد الفرد للدفاع عن وطنه وتقديم الغالي والرخيص في سبيله، يعد أحد أبرز المظاهر الوطنية التي تساهم في بناء الأوطان وصونها.

    مقومات نهضة المجتمع

    هناك الكثير من المقومات التي لابد من توفرها لأي مجتمع ، لكي يكون ناهضاً وحضارياً، فكما هو معروف إن نهضة المجتمع، تعني توفير الحياة الكريمة لأبنائه والمحافظة على حقوقهم وكرامتهم، والشعوب السعيدة ، التي تتمتع بحياة كريمة، هي فقط الشعوب التي يقودها أبناؤها الصادقون نحو المجد والمستقبل، والتي يتكاتف مواطنوها المخلصون لدفعها نحو الرقي والتقدم، وهذا لا يمكن أن يتم ما لم تسدها روح المحبة، والإخلاص من أجل الوطن وتغليب مصلحة المجتمع على المصلحة الخاصة.

    والشعوب التي تتمسك بمبادئها، وتحترم تاريخها وثقافتها ،بالتأكيد هي الشعوب التي تنعم بهذه الصفات والخصائص الإنسانية الراقية التي تسهم في رفع مكانتها وتحافظ على كرامتها، مما يؤهلها لأن تفرض وجودها في المجتمع العالمي كله.

    وفي التاريخ الكثير من الشواهد التي استطاعت فيها شعوب كثيرة أن تبني حضارات مهمة من خلال وعي وإنتماء أبنائها لوطنهم، واستعدادهم للتضحية من أجلها، حتى في أحلك الظروف، ومثال ذلك التجربة اليابانية، حيث تمكنت اليابان من النجاح في امتحان سباق مع الزمن وتنافس مع الأمم المتقدمة، رغم ما تكبدته من خسائر في الحرب العالمية الثانية.
    ونلاحظ أن حياة الأمم على هذه الأرض تتشابه إلى حد بعيد مع حياة الإنسان ذاته ، فكلما تحلى الإنسان بقدرته على التطور والاستفادة من المتغيرات والظروف المحيطة به كلما كان في قمة عطائه.

    وكما هو الحال بالنسبة للفرد، فإن المجتمع لابد أن يمر بعدد من المراحل للنهوض والتطور، وهي:

  • مرحلة الإعداد أو التكوين العملي أي مرحلة ما قبل البناء أو الشروع في مسؤوليات الحياة، وهذه المرحلة تشمل التربية والتعليم والتدريب وهي مهمة جداً لإعداد الإنسان الذي يعد نواة المجتمع، وتأهيله ليكون قادراً على تحمل المسؤوليات التي يلقيها عليه المجتمع، ولا سيما المسؤولية الوطنية.
  • مرحلة البناء وهذه المرحلة تأتي بعد مرحلة الإعداد والتهيئة للإنسان بوعيه فكرا وعلما ومعرفة، وبحركته مهارة وقدرة وسلوكا وحتى يكون معدا إعدادا يؤهله من أجل المضي قدما في تحقيق التنمية والنهضة الحضارية.

    ونلاحظ أن الدين الإسلامي اهتم بمرحلة إعداد الإنسان وتأهيله أخلاقياً لتولي مسؤولياته في المجتمع، فالأخلاق في الإسلام هي أخلاق عملية اجتماعية. وليست أخلاقا نظرية أو فردية مثالية مجردة، فالإسلام دين عمل وممارسة اجتماعية وما يسعى إلى تحقيقه من أخلاق وسلوك هو متناسق تماماً مع أهدافه الكبرى في الحياة.

    وعليه فإن بناء الإنسان ليكون لبنة أساسية في رقي المجتمع وتقدمه عمل لا بد منه من أجل التنمية الاقتصادية والخدمية الشاملة والمستدامة لمستقبل الأجيال القادمة.

    المتغيرات هي جزء من سمات المجتمع سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية:

    عندما نتحدث عن نهضة وتطوير المجتمع لابد أن نأخذ بعين الإعتبار أن المجتمعات الناجحة هي التي تتفاعل مع المتغيرات التي تحيط بها بشكل إيجابي، بالإضافة إلى دراسة التغيرات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية، بهدف تسخيرها لخدمة عملية التنمية الحضارية، لا سيما وأن التغيرات هي سمة طبيعية في الحياة سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.

    العلم أساس نهضة الشعوب وتقدمها

    لو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن أغلبية الشعوب كانت تعيش قبل بضعة قرون في دوامة من الشقاء والبؤس، قبل أن تشق طريقها في طريق العلم والمعرفة، ما مكنها من التغلب على العقبات والمشاكل التي كانت تشكو منها، ولذلك فإن ما نشاهده اليوم من تطور في حياة الشعوب، ما هو إلا نتاجاً للعلم والمعرفة، التي نلمس نتائجها في يومنا هذا.

    ولذلك نرى أن ديننا الحنيف وتعاليمه السمحاء حث على التعلم بالإضافة إلى ما تتضمنه الأحاديث النبوية الشريفة القائلة بأن العلم فريضة ولو في الصين.

    أبناء الوطن لا بد لهم أن يتبنون تلك المسؤولية الوطنية ويتوارثونها:

    من كل ما تقدم، نستنتج أن أي مجتمع لا يمكنه النجاح والتطور، ما لم يتحلى أبناءه بروح المسؤولية، ولا سيما المسؤولية الوطنية، التي لابد من توارثها من قبل الأجيال، لكي تشكل مع الزمن عامل الحماية والتحصين للوطن، والقدرة على حمايته وحماية منجزات أبنائه، لدرجة تصبح فيها هذه المسؤولية موروثاً اجتماعياً.

    أهمية الموروث الثقافي الاجتماعي:

    ولا يستطيع أحد إنكار أهمية الموروث الثقافي للشعوب، ذلك أن الثقافة غالباً ما تحدد مسارات الإنسان في الحياة، وتمنحه القدرة أيضاً على التعامل مع متغيراتها، ناهيك عن أنها تمثل الهوية للمجتمع أيضاً، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نتخيل وجود مجتمع حضاري وناهض ومتطور، من دون أن يكون له هوية ثقافية، تجمع بين أبنائه وتؤطر العلاقات فيما بينهم، وتميز العلاقة بين هذا المجتمع والمجتمعات الأخرى.
    فالمجتمع القائم على ثقافة التسامح وتقبل الآخر، هو المجتمع القادر على التماسك والإبداع والتطور الحضاري المستدام.